المداخل المنهجية في علم الاجتماع

(1/1)

socio88:
                          الســـــلام عليكم ورحمة الله وبركــــــــاته
                                مساء الخير للأخوة والأخوات
يعتبر المدخل المنهجي نقطة وصل بين الأساليب العملياتية Opérationnelles التقنية التي يتعامل بها الباحث مع الواقع المدروس وبين الإطار المرجعي النظري، وهو بذلك يساعد على الاقتراب المتبصر من الواقع.
1 - مفهوم المدخل المنهجي:

يعرِّف "موريس أنجرس" Maurice Angersالمدخل على أنه :طريقة خاصة غير تقليدية في استعمال النظرية >> وعند اقترانه بالمنهج يعرّفه أنجرس بوصفه << طريقة خاصة، غير تقليدية في استعمال النظرية، بصرامة avec rigueur، وبرغبة في التنظيم avec un souci d’ordonnance
ويعرف أحد علماء الاجتماع المدخل المنهجي بقوله : وهو يشير للتصور المنهجي لرؤية الواقع، وتناول ظواهره ونظمه ومراجعة الأنساق النظرية المصاغة حوله، ويتحدد المدخل المنهجي في ضوء المبادئ الأساسية والأسس المنطقة التي يستند إليها الباحث والتي تمثل الإطار المرجعي للمعالجة المنهجية.
ترتيبا على ذلك، نستنتج أن المدخل بمعناه الأولي يشير إلى الطريقة المرنة لتناول البحث من منطلق نظري (اتجاه فكري أو مدرسة )، بحيث يشكل خلفية فكرية للباحث، وإذا كان التعامل من هذا المنطق يتطلب قدرا من المرونة فإن عملية التبني لأي تصور تحتاج إلى كثير من الصرامة والدقة والتنظيم، حتى يتوفر الباحث على الوضوح النظري الكافي، والقدرة على رسم الخطوات المنهجية اللاحقة.
فالمدخل المنهجي المحدد بدقة ووضوح يسمح للباحث بالاقتراب الدقيق و"المحسوب" من الواقعة، ويمنحه القدرة على تحليل وإدراك وتفسير أبعاده، وهو يعقد نقطة أو حلقة الوصل بين الإطار المرجعي النظري والمنهجية المتبعة، فهو:
- على المستوى التصوري يساعد على تحقيق التناسق المنطقي، وعلى تبصر جوانب الظاهرة المدروسة، وتبين أبعادها المختلفة، والاستفادة مما قدم في ذلك من تحليلات ومفاهيم وقضايا.
- وهو يسمح على المستوى العملياتي باختيار المناهج الملائمة للدراسة التي تجرى عن واقع بعينه وفق المنظور المتبنى.
- ونتيجة لذلك، فهو يحقق الانسجام بين الجانب التصوري للبحث والجانب التطبيقي والجانب التفسيري.

2- الأنساق والأطر الفكرية:
يمكن أن نحصي كما يقول "شورشمان" C.W. Churchman أربع أنساق فكرية كبرى، كما عرفها النموذج الكلاسيكي، والتي أثرت على التيارات الفكرية الأساسية، وغذت مختلف المداخل في العلوم الاجتماعية عموما، وكل واحد منها يستند إلى مرتكزات فلسفية، ويستوجب منحى بعينه.
يّنسب النسق الأول إلى الفيلسوف الرياضي الألماني "ليبنيز" Leibniz ( 1646-1716) وهو نسق نظري صوري، ويعدّ نسقا استنباطيا، ينطلق في تفسيره للقضايا والوقائع انطلاقا من عناصر أساسية (أولية) بسيطة، يتم تركيبها بصرامة بفضل المنهج العقلاني الرياضي، وهو لا يعتمد على التجربة ولكن يستند على الاستدلالي الصحيح.
ويوصف هذا النسق بالافتراضي- الاستنباطي hypothético-déductif حيث ينطلق من فرضية (أوعدة فرضيات) وهنا نستعمل الاستدلال الاستنباطي، بمعنى ننطلق من ترتيبات عامة، معلومة مسبقا، لتناول حالة خاصة، كما الشأن مثلا في القياس الاقتصادي الذي ينطلق من فرضيات عامة أو نظريات عامة للكشف عن العلاقات القائمة بين متغيرات بعينها في حالة محددة.
وينسب النسق الثاني إلى "جان لوك" Jean Locke (1632-1706) الذي يّلغي المنحى الفكري المطلق Intellectualisme لصالح الحواس، دون أن يكون لها الدور المحوري في المعرفة.
فهذه الأخيرة تجد موضعها في حيز ما بين القدرات الفكرية الخالصة للإنسان وأعضاء حواسه، ويعتبر هذا المنحى تجريبي- استقرائي expérimentalo-inductif وهو ينطلق من الحالات المشاهدة الملموسة، وبفضل النظرية والاستدلال يقوم بعد ذلك ببناء قوانين عامة.
ويحاول النسق الثالث، الذي ينسب إلى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724-1804)، التوفيق بين النسقين الأوليين، فهو يتطلب استعمال عدة نماذج مرة واحدة، وهذا ما نشير إليه اليوم بالمدخل المتعدد التخصصات.
وبالنسبة إليه فإن العلم الوضعي أو التجريبي هو الوحيد الذي يقود للحقيقة بمساعدة الاستدلال التركيبي، وهو يوصف بالنسق التركيبي-المتعدد النماذج synthétique-multimodal لأنه يحاول الجمع بين القوانين والاستدلال العام لمختلف الحقول العلمية والملاحظة والتجريب الخاص، فيحقق بذلك التركيب الذي حقق تقدما للمعرفة.
وفي الأخير ينسب النسق الرابع إلى الفيلسوف الألماني هيجل ( 1770-1831) وهو يستند إلى مبدأ الجدلية، والتي تشير إلى الحركة الدائمة التي تتسم بالصراع والتركيب في كل مفردات الوجود، وتخضع الحقيقة في بنيتها الفكرية إلى ذات المبدأ: فهي تنشأ في خضم صراع الأضداد في عملية مستمرة للفكرة والنقيض والتركيب.
ويوصف هذا النسق الرابع بالتركيبي– الصراعي synthétique-conflictuel فهو يخضع أي واقعة قيد الدراسة للتحليل المنظم لسيرورة تشكلها، والتي تخضع بدورها لقانون الجدلية من خلال صراع الأضداد، ومن هذه المواجهة يتخلق المركبات، والتي بدورها تدخل في تناقض مع عناصر أخرى، وهكذا دواليك.
وقد طبق ماركس هذا المدخل، ومن منطلق تاريخي، معتمدا على دور الصراع بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، والذي أخذ طابعه الاجتماعي في المرحلة الرأسمالية من خلال صراع الطبقات.
هذا ويطلق "عمار أكتوف" Omar Aktouf على المداخل المعروفة في العلوم الاجتماعية والإنسانية، مفهوم الأطر Cadres، وهي تمثل بالنسبة للبحث الخلفية الفلسفية والمذهبية وأحيانا الأيديولوجية. وزيادة على كونها أنساقا فكرية، على غرار تلك المشار إليها آنفا، فهي تتضمن وتفترض طرقا عملياتية، أي أنها تسمح بالتعامل المنهجي مع الواقع المدروس.
وتتضمن هذه الأطر نسقا مرجعيا يضفي دلالات على الظواهر قيد الدراسة ويسمح بتأويلها. وهناك عدة مداخل في علم الاجتماع، بعضها مشتق من مدارس كبرى مثل الوضعية والماركسية، والبعض الآخر يشير إلى طرق بعينها للنظر وللتناول المنهجي لواقع اجتماعي بعينه مثل المدخل التنظيمي والمدخل الأيكولوجي.
ومن بين المداخل المعروفة في علم الاجتماع المدخل الوضعي والوظيفي والبنائي والنسقي Systémique، والتكويني Génétique، والفينومولوجي والإثنوميثولوجي، وهناك المدخل الجدلي وأحيانا نقول المدخل المادي تاريخي، أي الماركسي، والمدخل التفاعلي الرمزي..الخ
ومن المداخل المعترف بها اليوم، والذي هو موضوعا لهذه الورقة: المدخل الإسلامي، الذي حاز على الاعتراف الأكاديمي في بعض الجامعات العربية مثل الجزائر، حيث يدرس في السنة الثانية بقسم علم الاجتماع، في مقياس منهجية البحث وتقنياته، كأحد المداخل المنهجية الكبرى في علم الاجتماع إلى جانب المدخل الماركسي والوضعي.

3- أنواع المداخل المنهجية في علم الاجتماع:
يتوفر علم الاجتماع على عدة مداخل منهجية، لكل منطقه ومقتضياته. تساعد على الوصول إلى تفسير الوقائع المدروسة.
ومن أمثلة هذه المداخل المدخل التكويني Génétiqueوالمدخل الوظيفي Fonctionnaliste والمدخل البنائيStructurale والمدخل النسقيSystémique والمدخل الجدلي Dialectique والمدخل التنظيميOrganisationnel والمدخل الإيكولوجيEcologique والمدخل التفاعلي الرمزي والمدخل الفينومولوجي والمدخل الإثنوميثولوجي.
وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا المقياس تضمن ثلاث مداخل منهجية كبرى وهي: المدخل المنهجي الوضعي، والمدخل المنهجي الماركسي، وأخيرا المدخل المنهجي الإسلامي. ولمزيد من التوسع، ومن أجل فهم أفضل لأهمية المداخل المنهجية في علم الاجتماع آثرنا استعراض بعض المداخل الشهيرة في العلوم الاجتماعية
وسنحاول إعطاء صورة موجزة عن بقية المدخل قبل التوسع في المداخل المقررة.
1.3-المدخل المنهجي الوظيفي:
يستحوذ مفهوم الوظيفة على مكانة محورية ضمن هذا المدخل، مع أنه ليس من السهل إيجاد تعريف دقيق وموحد له، فالاستعمال الجاري له يركز على البعد الاجتماعي للمفهوم، فيجعله مرادفا للمهنة التي يتوفر عليها أو يشغلها الفرد.
في حين أن كلمةFonction (الدالة) في الرياضيات تشير إلى تغير يُدرس ضمن علاقته مع بعض أو عدة متغيرات أخرى، فيكون هذا المتغير دالة في أحدها أو في جلها.
يشير المفهوم في البيولوجية إلى وظيفة كل عضو ضمن الجهاز الذي ينتمي إليه، أي دوره الذي به يساهم للحفاظ على بقاء هذا الجهاز، مما يعني بأن التحليل الوظيفي للظواهر الاجتماعية هو ذلك الذي يفسر الدور أو الوظيفة التي يؤديها أو يؤمنها ضمن الكل الاجتماعي الذي ينتمي إليه، وتبعا لذلك يمكن القول أن المدخل المنهجي الوظيفي يفسر الظواهر المدروسة انطلاقا من الوظيفة التي يقوم بها.
استعمل الأنثروبولوجيون هذا المدخل، خاصة منهم مالينوفسكي Malinowski(1884-1942) ورادكليف براون Radcliffe-Brown (1881-1955) لتناول كيفية اشتغال المجتمعات المدروسة، وذلك انطلاقا من الفكرة التي مؤداها أن كل عنصر من عناصر المجتمع يمثل جزءا لا غنى عنه ضمن الكل العضوي، وهو يشغل وظيفة حيوية.
وكانت التساؤلات المطروحة تدور حول: سبب وجود عنصر ما؟، وما هي ضرورته بالنسبة للمجموع؟، وما هي الحاجة التي يستجيببها.
وقد حاول روبرت ميرتون Robert .k. Merton مراجعة بعض القضايا الوظيفية التي طرحا الأنثربولوجيون، فالتحليل الوظيفي المطلق مثلا لم يتم نقله على إطلاقه إلى علم الاجتماع.
حيث خضع لمراجعة خاصة من طرف هذا العالم الأمريكي حيث انتقد المبادئ المطلقة للوظيفية، وخفّف من مبدأ الوحدة الوظيفية L’unité fonctionnelle، التي اعني تتضمن أن كل عنصر يعتبر وظيفيا سواء بالنسبة للمجتمع برمته أو لكل جزء من أجزائه، في حين أنه قد يكون وظيفيا بالنسبة لبعض القطاعات وغير وظيفي بالنسبة لغيرها.
كما راجع مبدأ الوظيفة العامة Fonctionnalisme universel الذي يعني أن كل عنصر داخل النسق يؤدي وظيفة، حيث أوضح أن بعضها قد لا يؤدي أي وظيفة، بل قد يكون هو بحد ذاته عائقا وظيفيا Dysfonctionnels بمعنى أنه يعرقل تكيف النسق.
وأخيرا أضفى ميرتون نوعا من المرونة على مبدأ الضرورة Postulat de nécessité الذي يعني بأن كل عنصر من النسق يعد ضروريا حتى تنجز مختلف الوظائف. حيث لاحظ وجود بدائل وظيفية Substituts fonctionnels إذْ أن الوظائف المختلفة يمكن أن تؤدى بالتناوب أو بالتتابع من خلال عناصر مغايرة على المدى الزمني أو من مجتمع إلى آخر
بالإضافة إلى إثرائه للتحليل الوظيفي بجملة من المفاهيم " الخلل الوظيفي" و"البدائل الوظيفية" أدخل روبرت ميرتون تمييزا بين الوظائف الظاهرة التي تكون نتائجها مفهومة ومطلوبة من المشاركين، والوظائف الكامنة التي لا تكون نتائجها مفهومة أو مطلوبة.
من المآخذ الشائعة على هذا المدخل، هو اعتباره وصفيا أنه بشكل أكثر منه تفسيريا، وتناوله للواقع في بعض أبعاده من دون الأبعاد كلها، وكثيرا ما تستحضر عبارة دوركايم: " الكشف عن أهمية أو فائدة الواقعة لا يعني تفسير كيف نشأ، ولماذا هو على الحالة التي هو عليها" ويؤخذ عليه أيضا تورطه في توجهات أيديويولوجية محافظة بتفسيره لماذا تستمر الأشياء وليس لماذا تتغير.
2.3- المدخل المنهجي البنائي:
ليس من الصعب أن ندرك بأن مفهوم البنية هو المفهوم الأساس في هذا المدخل، غير أن تحديد هذا المفهوم هو الذي يشكل الصعوبة البارزة عند تناول هذا المدخل.
حسب "جان بياجيه"Jean Piaget <<يمكن الحديث عن البنية حينما تكون العناصر المجمّعة على شكل مجموعة تتوفر على بعض الخصائص التي تمنحها صفة الكلية، وعندما تكون خصائص العناصر تعتمد كليا أو جزئيا على خصائص الكلية>>
إذن نصف بالبنية الواقعة التي تتكون من عناصر تتوفر على علاقات محددة فيما بينها، بحيث يؤدي أي تعديل في علاقات إحداها إلى إحداث تحولات في مجموع هذه الواقعة.
مما يعني أن خصائص المجموعة ضمن البنية لا تنتج عن طبيعة العناصر ولا عن تجاورها، ولكن من العلاقات التي تنشأ بين هذه العناصر.
وحسب الكتاب، فإن هذا مفهوم يتخذ البنية علاقات متباينة بالواقع، فبالنسبة للبعض فإن البنية تشكل نموذجا وصفي يصف الواقع بشكل إجمالي، منسجمة ومتمفصلة، وتمثل الواقع المعاش والمدرك من طرف السوسيولوجي.
وبالنسبة للبعض الآخر، مثل "ليبفي شتراوس" فإن البنية هي مجرد نموذج نظري مجرد، يستخدم لترجمة وتفسير الوقائع ويتم بناؤه من طرف الباحث بالاستدلال المنطقي أكثر منه من خلال ملاحظة الواقع.
ويعتبر علماء اللسانيات ( فرديند دي سوسور 187-1913) والإثنولوجيا أول من استعمل هذا المدخل، وهي تنطلق من كون اللغة تشكل كلا مستقلا عن أي سياق للأنشطة الملموسة فيما يتعلق بالتعبير وكذا تطورها التاريخي، ومن هنا تدرس اللغة "كشفرة" تفهم ضمنها أي وحدة من خلال العلاقات، خاصة ما يتعلق بالتعارض والتمييز، التي تعقدها مع الأخرى داخل نفس البنية.
وضمن الإثنولوجيا استطاع ليفي شتراوس دراسة شبكة التبادلات الزواجية changes matrimoniaux التي اعتبرت كأنماط التعبير بين الأفراد والمجموعات وتحليل سمات التفكير الأسطوري أيضا.
ويعتبر مفهوم "العلاقات" أساس النظرية التفسيرية ذات النمط البنيوي، ويعتبر التحليل هنا، وبشكل عام، تحليلا تتابعيا synchronique وهو يفسر الظاهرة المدروسة ليس من خلال تاريخها، ولكن من خلال نسق العلاقات، الذي يميزه في قت محدد.
وضمن هذا البعد فإن النظرية التفسيرية ذات النمط البنيوي تسعى لتفسير الظاهرة المدروسة من خلال التي تقيمها مع بقية العناصر لنفس البنية أو لتفسير الظاهرة بواسطة التي تقام بين العناصر التي تشكلها. وفي الحالة الأولى فإن الظاهرة تعتبر عنصرا ضمن البنية، وفي الثانية فهي تعتبر بنية في حد ذاتها.
ومن الانتقادات التي توجه لهذه المقاربة الشائعة في العلوم الاجتماعية إهمالها للبعد التاريخي للواقعة الاجتماعية، وترك مشكلة ظهورها من دون إجابة. ولتداوز هذا النقص يقترح "ل. سباغ" L. Sebag و"ل. غولدمان" L. Goldmann إدراج هذا البعد التاريخي بالرجوع إلى مقاربة " تكوينية بنيوية"génétique structural .
وتجدر الإشارة أيضا أنه بعد تالكوت بارسونز حاول بعض السوسيولوجيين الأمريكيين الجمع بين المنظور البنيوي والمنظور الوظيفي ضمن ما أطلق عليه بالبنائية الوظيفية.
3.3- المدخل المنهجي النسقي:
يقوم التحليل النسقي على أساس دراسة الواقعة بوصفها تشكل كلية وأن الظواهر الاجتماعية يجب أن تؤول انطلاقا من روابط الاعتماد المتبادل التي تربطها ببعضها البعض، غير أن هذا القول لا يبعدنا عن المقاربة البنيوية المشار إليها آنفا، ولذلك يرى البعض أن جوهر التحليل النسقي يقوم على تمييز جانبين ضمن الواقع، وهما: النسق ومحيطه.
ويتشكل المحيط من مجموع العناصر التي يؤثر تغيّرها على النسق، كما أنها تتأثر بحد ذاتها بمتغيرات هذه الأخيرة، وهذا هو موقف "دافيد إيستون" David Easton الذي يقول أن التحليل النسقي يقوم على مفهوم النسق المنغمس Immergé ضمن المحيط وهو موضوع لتأثير هذا الأخير.
وبناء على ذلك فإن المفاهيم الرئيسية لهذا التحليل هي البيئة والتفاعل، وقد ساهمت البيولوجيا والسيبرناطيقا في ظهور التحليل النسقي في حين أن الأنثروبولوجيا واللسانيات هي التي ساهمت في ظهور التحليل البنيوي.
ويعود الفضل إلى " ل. فون برتالنفي " L. Von Bertalanffy في اقتراح استعملا هذا المفهوم لتصور العلاقات بين الخلية ومحيطها، وذلك بعد الحرب العالمية الأولى، وبعد الحرب العالمية الثانية أسس "نوربار وينر" Norbert Wiener من جهته السبرنطيقا على مبدأ "العلبة السوداء" التي تستجيب للطلبات والضغوط القادمة من الخارج، وبالاستناد إلى هذه البحوث الأولى وإلى البحوث اللاحقة المتعلقة بالديناميكا الحرارية وعلم المنظمات أطلق فون برتالنفي في الخمسينيات "النظرية العامة للأنساق".
ومن أهم سمات هذا التحليل، مقارنة بالتحليل البنيوي، تأكيده على التحولات التي يتعرض لها النسق بفعل المحرضات Impulsion الخارجية. فالنسق يتمتع بالحياة، فالمحيط يمارس عليه تأثيرا، وهو يتصرف سواء بالتحول أو بالتأثير على المحيط.
وعند الحديث عن تعديل النسق فيجب التمييز بين تعديلات النسق التي تغير حالة النسق دون تحويل خصائصه، وبين التعديلات داخل النسق التي تبدل الخصائص الأساسية.
وتتم علاقات التفاعل من خلال ما يطلق عليه بالتعديل الذاتي، بحيث أن التحولات والتعديلات تحدث بشكل يحدث أو يستحدث توازن بين النسق ومحيطه. ويكون هذا التوازن مستقرا إذا وقعت التقلبات داخل الحدود المحددة، ويكون غير مستقر إذا تجاوزت الحدود.
أما بالنسبة لميكانيزمات التعديل الذاتي فهي تتشكل من عملية التغذية الراجعة التي تسمح للنسق بالتصرف إزاء آثار أفعالها أو إزاء لتحولاتها وإجراء التصحيح الذاتي.
أتمني الاستفادة للجميـــــــــــــــــــــــع

تصفح

[0] فهرس الرسائل